المقريزي
199
المقفى الكبير
وقال : هذا أمر لا نقوم في أفضل منه ، لأنّا منعنا حقّنا وفيئنا . - فاجتمع إليه نحو خمسمائة رجل ، ومات كيذر في ربيع الآخر سنة تسع عشرة [ ومائتين ] ، وولي بعده مصر ابنه المظفّر بن كيذر ، فخرج إلى يحيى وقاتله في تنيس وأسره في جمادى الآخرة . وقام محمد بن القاسم بن عمر بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرّضا من آل محمّد ، فاجتمع عليه الناس ، وحارب قوّاد عبد اللّه بن طاهر مرّات ، فأخذ وحمل إلى المعتصم . فقدم عليه للنصف من ربيع الأوّل ، فحبسه عند مسرور الخادم الكبير ، ووكّل به قوما . ففقد ليلة الفطر وجعل لمن دلّ عليه مائة ألف درهم فلم يعرف له خبر . وبعث المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة لحرب الزطّ وقد غلبوا على طريق البصرة وكثر عيثهم ، فأسر منهم خمسمائة رجل ، وقتل في المعركة ثلاثمائة رجل ، وضرب أعناق الأسرى ، وبعث بالرءوس إلى بغداد ، وأقام بإزائهم سبعة أشهر . [ محنة ابن حنبل ] وفيها امتحن المعتصم الإمام أبا عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل بأن يقول : القرآن مخلوق - فلم يجب إلى القول بخلقه . وكان المأمون قد امتحن الناس بذلك - وطلب الإمام أحمد ، وأمر بحمله إلى طرسوس ، فحمل ومحمد بن نوح مقيّدين زميلين من بغداد إلى طرسوس ، وجاء نعي المأمون فردّا في قيودهما ، فمات محمد بن نوح بعانات ، وصار أحمد إلى بغداد وهو مقيّد ، فمكث في السجن ثمانية وعشرين شهرا . ثمّ أحضر إلى المعتصم فكلّمه في القول بخلق القرآن فأبى فخلع وسحب . [ 180 ب ] وقال : أنا علمت علما ولم أعلم فيه بهذا « 1 » . فأحضر له الفقهاء والقضاة فناظروه ، منهم عبد الرحمن بن إسحاق وغيره . فامتنع من القول ، فقال إسحاق بن إبراهيم : ولّني يا أمير المؤمنين مناظرته ! فقال له : شأنك ! فقال له إسحاق : هذا العلم الذي علمته نزل عليك به ملك أو علمته من الرجال ؟ قال : بل علمته شيئا بعد شيء . قال : فبقي عليك شيء لم تعلمه ؟ قال : بقي عليّ . قال : فهذا ممّا لم تعلمه ، وقد علّمكه أمير المؤمنين . فاستدلّ أحمد بقول اللّه تعالى : وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ السجدة : 13 ] . فقال : إن يكن القول من اللّه ، فالقرآن كلام اللّه تعالى ، فقوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] قد فرّق بين الخلق والأمر . وقال أيضا : أسماء اللّه في القرآن ، والقرآن من علم اللّه ، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق ، فهو كافر . ومن زعم أنّ أسماء اللّه مخلوقة فقد كفر . واستدلّ أيضا بقوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] ، فلو كان قوله : « كن » مخلوقا ، لاحتاج إلى قول آخر ، وذلك القول إلى آخر [ 180 ب ] فيتسلسل ولا يتحصّل . وكان يقول : أعطوني آية من كتاب اللّه تعالى أو
--> ( 1 ) وفيات 1 / 64 ( ترجمة أحمد بن حنبل ) .